إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

200

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )

وَلَمْ يَكُنْ حَاكِمًا بَيْنَهُمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، إِلَّا وَقَدْ جَاءَهُمْ بِمَا يَنْتَظِمُ بِهِ شَمْلُهُمْ ، وَتَجْتَمِعُ بِهِ كَلِمَتُهُمْ ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا اخْتَلَفُوا ، وَهُوَ مَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالصَّلَاحِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ ، وَيَدْرَأُ عَنْهُمُ الفساد على الإطلاق ، فانحفظت الأديان والدماء والعقول ( 1 ) وَالْأَنْسَابُ وَالْأَمْوَالُ مِنْ طُرُقٍ يَعْرِفُ مَآخِذَهَا الْعُلَمَاءُ ، وذلك الْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم ( المبين بسنته ) ( 2 ) قَوْلًا وَعَمَلًا وَإِقْرَارًا ، وَلَمْ يُرَدُّوا إِلَى تَدْبِيرِ أَنْفُسِهِمْ ، لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ ، وَلَا يَسْتَقِلُّونَ بِدَرْكِ مَصَالِحِهِمْ ، وَلَا تَدْبِيرِ أَنْفُسِهِمْ . فَإِذَا تَرَكَ الْمُبْتَدِعُ هَذِهِ الْهِبَاتِ الْعَظِيمَةَ ، وَالْعَطَايَا الْجَزِيلَةَ ، وأخذ في استصلاح آخرته ( 3 ) أَوْ دُنْيَاهُ بِنَفْسِهِ بِمَا لَمْ يَجْعَلِ الشَّرْعُ عَلَيْهِ دَلِيلًا ، فَكَيْفَ لَهُ بِالْعِصْمَةِ وَالدُّخُولِ تَحْتَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ ( 4 ) ؟ وَقَدْ حَلَّ يَدَهُ مِنْ حَبْلِ الْعِصْمَةِ إِلَى تَدْبِيرِ نَفْسِهِ ، فَهُوَ حَقِيقٌ بِالْبُعْدِ عَنِ الرَّحْمَةِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا } ( 5 ) بعد قوله : { اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } ( 6 ) ، فَأَشْعُرُ أَنَّ الِاعْتِصَامَ بِحَبْلِ اللَّهِ هُوَ تَقْوَى اللَّهِ حَقًّا وَأَنَّ مَا سِوَى ذَلِكَ تَفْرِقَةٌ لقوله : { وَلاَ تَفَرَّقُوا } ، والفرقة من أخص ( 7 ) أَوْصَافِ الْمُبْتَدِعَةِ ، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ ، وَبَايَنَ جَمَاعَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ . رَوَى عَبْدُ ( 8 ) بْنُ حميد ( 9 ) عن عبد الله ( 10 ) : ( أن حبل الله الجماعة ) ( 11 ) .

--> ( 1 ) في ( م ) و ( ت ) و ( خ ) و ( ط ) : " العقل " . ( 2 ) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا ( غ ) ، وفي ( ر ) : " بسنة " . . ( 3 ) المثبت من ( غ ) ، وفي بقية النسخ : " نفسه " . ( 4 ) في ( غ ) : " الترجمة " . ( 5 ) سورة آل عمران : آية ( 103 ) . ( 6 ) سورة آل عمران : آية ( 102 ) . ( 7 ) ساقطة من ( ت ) ، وفي م وخ وط ( أخس ) . ( 8 ) المثبت هو ما في ( غ ) و ( ر ) ، وبقية النسخ عبد الله . ( 9 ) تقدمت ترجمته ( ص 100 ) . ( 10 ) هو ابن مسعود رضي الله عنه . ( 11 ) رواه سعيد بن منصور في سننه برقم ( 520 ) ( 3 / 1084 ) ، وابن جرير في تفسيره ( 4 / 30 ) ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور لابن المنذر والطبراني ، من طريق الشعبي ( 2 / 287 ) ، وروى الآجري قريباً منه ضمن خطبة لابن مسعود رضي الله عنه . انظر الشريعة ( ص 13 ) ، وذكره كذلك الإمام البغوي في معالم التنزيل ( 1 / 333 ) .